الشيخ أحمد فريد المزيدي

292

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

أخرجوا المال وهم يتوقعون الثواب عليه ، فكان هذا جزاؤهم ، وأنت فرّقت ذلك المال خائفا وجلا محاسبا نفسك نادما فضاعف اللّه تعالى لك ذلك على ثواب سعيك « 1 » . قال الجنيد : رأيت إبليس في المنام كأنّه عريان ، فقلت له : أما تستحي من الناس ؟ ! فقال : يا للّه ، هؤلاء عندك من الناس ، لو كانوا منهم ما تلاعبت بهم كما تتلاعب الصّبيان بالكرة ، ولكن الناس غير هؤلاء . فقلت : ومن هم ؟ قال : قوم في مسجد الشونيزي قد أضنوا قلبي ، وأنحلوا جسمي ، كلّما هممت أشاروا باللّه ، فأكاد أحرق ، فانتبهت ، ولبست ثيابي ، وأتيت مسجد الشونيزي ، وعليّ ليل ، فلما دخلت المسجد إذا أنا بثلاثة أنفس قيل هم : أبو حمزة وأبو الحسين النوري وأبو بكر الزقاق جلوس ، ورؤوسهم في مرقّعاتهم ، فلما أحسوا بي قد دخلت أخرج أحدهم رأسه وقال : يا أبا القاسم ، أنت كلّما قيل لك شيء تقبله ! « 2 » . يقول الجنيد : رأيت إبليس في النوم ، فقلت : يا لصّ ، إيش مقامك ها هنا ؟ فقال : وإيش ينفعني قيامي ، لو أن الناس كلهم مثلك ما نفعتني لصوصيتي شيئا « 3 » . وقال الجنيد : رأيت إبليس في النوم ، فقلت له : هل تظفر من أصحابنا بشيء أو تنال منهم شيئا ؟ فقال : إنه يعسر عليّ شأنهم ، ويعظم عليّ أن أصيب منهم شيئا ، إلا في وقتين . قلت : أي وقت ؟ قال : وقت السماع ، وعند النظر ، فإني أسترقي منهم فيه ، وأدخل عليهم به . قال الجنيد : فحكيت رؤياي لبعض المشايخ ، فقال : لو رأيته قلت له : يا أحمق من سمع منه - أي من اللّه عز وجلّ - إذا سمع ، ونظر إليه إذا نظر ، أتربح أنت عليه شيئا ، أو تظفر بشيء منه ؟ فقلت : صدقت « 4 » .

--> ( 1 ) انظر : روض الرياحين لليافعي ( ص 209 ) . ( 2 ) انظر : الإحياء للغزالي ( 4 / 509 ) ، وطبقات الأولياء لابن الملقن ( ص 132 ) ، وروض الرياحين لليافعي ( ص 112 ) . ( 3 ) انظر : تاريخ بغداد ( 7 / 246 ) . ( 4 ) انظر : الإحياء للغزالي ( 2 / 302 ) ، وعوارف السهروردي ( ص 107 ) .